مؤلف مجهول

304

كتاب في الأخلاق والعرفان

في النّعمة والرّكون إلى الظّلمة وكثرة الأكل وكثرة الضّحك وكثرة النّوم والتّكبّر على الفقراء والتّواضع لأبناء الدّنيا ، وأشباه ذلك من آثار الجبابرة . وقيل : الزّاهد في الدّنيا نظره بالعبرة وسعيه بالتّفويض ونفقته بالاقتصاد ونيّته العدّة وغمّه من وفاء النّعمة وطول المحاسبة . والرّاغب في الدّنيا نظره بالشّهوة وسعيه بالطّمع ونيّته التمتّع ونفقته بالتّبذير وغمّه من فوت « 1 » النّهمة . وقيل : الزّهد في الدّنيا يريح القلب والبدن ، والرّغبة فيها تكثر الهمّ والحزن « 2 » . وقيل : الزّاهد يأكل بغير طمع ويعيش بغير أمل ويملك بغير جند ويعرف بغير عطيّة ويعبد بغير رياء ويموت بغير حسرة ويقوم بغير ندامة ويدخل الجنّة بغير حساب . وذكر عن شقيق بن إبراهيم « 3 » : قال : مسكين صاحب الدّنيا ، يجمع بالحرص ويمنع بالشكّ وينفق بالرّياء ويتكلّم بالعداوة ويموت بالحسرة ويقوم بالنّدامة ويتعلّق بالحساب يوم القيامة . وذكر عن إبراهيم بن الأدهم : قال : أقرب الزّهّاد من اللّه أشدّهم له خوفا ، وأحبّ الزّهّاد إلى اللّه أحسنهم له عملا ، وأكرم الزّهّاد على اللّه أتقاهم له ، وأفضل الزّهّاد عند اللّه نصيبا أعظمهم فيما عنده رغبة ، وأتمّ الزّهّاد زهدا أسخاهم نفسا وأسلمهم صدرا ، وأكمل الزّهّاد زهدا أكثرهم يقينا . وروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذات يوم على أصحابه ، فقال : هل منكم من يريد أن يعطيه اللّه علما بغير تعلّم وهدى بغير هداية ؟ هل منكم من يريد أن يذهب عنه العمى ويجعله بصيرا ؟ ألا إنّه من زهد

--> ( 1 ) . في الأصل : فوق . ( 2 ) . أورده الراغب في محاضرات الأدباء [ باب راحة القنع وعزّته ] وعزاه إلى الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله . ( 3 ) . أبو عليّ شقيق بن إبراهيم البلخي ، من مشاهير الصوفية وكان معاصرا للمأمون العبّاسي .